تفســير القرآن وإيضاح المشكــل من آي الكتاب

تفســير القرآن وإيضاح المشكــل من آي الكتاب

تفسير القرآن وإيضاح المشكل من آي الكتاب

إن كثيرين ممن يرون من أنفسهم مفسرين لكتاب الله يأتي احدهم بالعجايب ومعلوم أن القرآن هو المنهج ومادة الإسلام وأُسه وأصل التشريع وأعلم الخلق الذي نزل على قلبه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تلقاه منه مباشرة صحبه رضي الله عنهم ثم بعد ذلك العلماء الأخيار أهل السنة المتبعين للسلف المقتفين لأثارهم والذابين عن حياض الدين رحمهم الله وجعلنا على طريقتهم وحشرنا في زمرتهم .
أما بعد
هذه أيات قد تشتبه على بعض العلماء أردت بيانها وجمع ما يشكل على أهل الفضل في موضع واحد.وعقيدة أهل الإسلام أن القرآن كلام الله سواء فهمنا المقصود والمراد أوجهلنا،كماقال ابن مسعود:إن من العلم أن تقول لما لاتعلم الله أعلم ،إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين)ص:84: رواه البخاري

( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) (81)
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)

الظاهر أنّ إنْ شرطية . وروي عن الحسن والحسين بن الفضل أنّ إنْ نافية . قال الزمخشري : أي مما كنت في شك فسئل ، يعني : لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ، ولكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى انتهى . وإذا كانت إن شرطية فذكروا أنها تدخل على الممكن وجوده ، أو المحقق وجوده ، المنبهم زمان وقوعه ، كقوله تعالى : { أفإن مت فهم الخالدون } والذي أقوله : إنّ إنْ الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء ، ولا تستلزم تحتم وقوعه ولا إمكانه ، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً كقوله تعالى : { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين }

ومستحيل أن يكون له ولد ، فكذلك هذا مستحيل أن يكون في شك ، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى : { فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية } أي فافعل . لكنّ وقوع إن للتعليق على المستحيل قليل ، وهذه الآية من ذلك .

ولما خفي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية ، فقال ابن عطية : الصواب أنها مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك أو يعارض انتهى . ولذلك جاء : { قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني } وقال قوم : الكلام بمنزلة قولك : إن كنت ابني فبرني ، وليس هذا المثال بجيد ، وإنما مثال هذه قوله تعالى لعيسى عليه السلام : { أأنت قلت للناس } انتهى .

وهذا القول مروي عن الفراء . قال الكرماني : واختاره جماعة ، وضعف بأنه يُصير تقدير الآية : أأنت في شك؟ إذ ليس في الآية ما يدل على نفي الشك . وقيل : كنى هنا بالشك عن الضيق أي : فإن كنت في ضيق من اختلافهم فيما أنزل إليك وتعنتهم عليك . وقيل : كنى بالشاك عن العجب أي : فإن كنت في تعجب من عناد فرعون . ومناسبة المجاز أنّ التعجب فيه تردد ، كما أن الشك تردد بين أمرين . وقال الكسائي : معناه إن كنت في شك أنّ هذا عادتهم مع الأنبياء فسلهم كيف كان صبر موسى عليه السلام حين اختلفوا عليه؟ وقال الزمخشري : فإن كنت في شك بمعنى العرض والتمثيل ، كأنه قيل : فإن وقع لك شك مثلاً وخيل لك الشيطان خيالاً منه تقديراً فسئل الذين يقرؤون الكتاب ، والمعنى : أن الله تعالى قدم ذكر بني إسرائيل وهم قرأة الكتاب ، ووصفهم بأن العلم قد جاءهم ، لأنّ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فأراد أن يؤكد عليهم بصحة القرآن وصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويبالغ في ذلك فقال تعالى : فإن وقع لك شك فرضاً وتقديراً وسبيل من خالجته شبهة في الدين أن يسارع إلى حلها وإماطتها ، إما بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته ، وإما بمقادحة العلماء المنبهين على الحق انتهى .

{ قل إن كان للرحمن ولد } ، كما تقولون ، { فأنا أول } من يعبده على ذلك ، ولكن ليس له شيء من ذلك . وأخذ الزمخشري هذا القول وحسنه بفصاحته فقال : إن كان للرحمن ولد ، وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح يوردونه ، وحجة واضحة يبذلونها ، فأنا أول من يعظم ذلك الولد ، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له ، كما يعظم الرجل ولد الملك لعظم أبيه . وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض ، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه ، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ، وهي محال في نفسها ، فكان المعلق بها محالاً مثلها . فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة ، وفي معنى نفيها على أبلغ الوجوه وأقواها . ثم قال الزمخشري : ونظيره أن يقول العدلي للمجبر . ثم ذكر كلاماً يستحق عليه التأديب ، بل السيف ، نزهت كتابي عن ذكره . ثم قال : وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقلة بالتوحيد على أبلغ وجوهه ، فقيل : إن كان للرحمن ولد ، في زعمكم ، فأنا أول العابدين ، الموحدين لله ، المكذبين قولهم بإضافة الولد إليه . وقيل : إن كان للرحمن ولد ، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد ، إذ اشتد أنفه فهو عبد وعابد . وقرأ بعضهم : عبدين ، وقيل : هي إن النافية ، أي ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد .

وروي أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال : أن الملائكة بنات الله ، فنزلت ، فقال النضر : ألا ترون أنه قد صدقني؟ فقال له الوليد بن المغيرة : ما صدقك ، ولكن قال : ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له . انتهى .

أما القول : إن كان لله ولد في زعمكم ، فهو قول مجاهد ، وأما القول : فأنا أول الآنفين ، فهو قول جماعة ، حكاه عنهم أبو حاتم ولم يسم أحداً منهم ، ويدل عليه قراءة السلمي واليماني : العبدين ، وقراءة ذكرها الخليل بن أحمد في كتابه العين : العبدين ، بإسكان الباء ، تخفيف العبدين بكسرها .

وذكر صاحب اللوامح أنه جاء عن ابن عباس في معنى العابدين : أنه الآنفين انتهى . وقال ابن عرفة : يقال : عبد يعبد فهو عبد ، وقلما يقال : عابد . والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ ، ثم قال : كقول مجاهد .

وقال الفرزدق :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم … واعبد أن أهجوا كليباً بدارمي
أي : آنف وأستنكف .

وقال آخر :
متى ما يشا ذو الود يصرم خليله … ويعبد عليه لا محالة ظالما

وأما القول بأن إن نافية ، فمروي عن ابن عباس ، والحسن ، والسدي ، وقتادة ، وابن زيد ، وزهير بن محمد ، وقال مكي : لا يجوز أن تكون إن بمعنى ما النافية ، لأنه يوهم أنك إنما نفيت عن الله الولد فيما مضى دون ما هو آت ، وهذا محال . ولا يلزم منه محال ، لأن كان قد تستعمل فيما يدوم ولا يزول ، كقولك : { وكان الله غفوراً رحيماً } أي لم يزل ، فالمعنى : ما كان وما يكون . وقال أبو حاتم : العبد ، بكسر الباء : الشديد الغضب . وقال أبو عبيدة : معناه أول الجاحدين . والعرب تقول : عبدني حقي ، أي جحدني . وقرأ ولد بفتحتين . عبد الله ، وابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش : بضم الواو وسكون اللام .

ثم قال : { سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون } : أي من نسبة الولد إليه ، والمعنى : إزالة العلم يجب أن يكون واجب الوجود ، وما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزي . والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه ، فيتولد منه شخص مثله ، ولا يكون إلا فيما هو قابل ذاته للتجزي ، وهذا محال في حقه تعالى ، فامتنع إثبات الولد . ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال : { فذرهم يخوضوا } ، أي في باطلهم ، { ويلعبوا } ، أي في دنياهم . وظاهر هذين الأمرين مهادنة وترك ، وذلك مما نسخ بآية السيف .هذا ما ذكره أبوحيان في البحرالمحيط..

قال الشاعر:

مَتَى مَا يَشَأ ذُو الوُدِّ يصْرِمْ خَليله … ويَعْبَدُ عَلَيه لا مِحَالَة ظَالمًا (5)

وهذا القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره: إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر، فليتأمل. اللهم إلا أن يقال: “إن” ليست شرطا، وإنما هي نافية كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ } ، يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين.
وقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } أي: إن ذلك لم يكن فلا ينبغي.

وقال أبو صخر: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } أي: فأنا أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحده. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال مجاهد: { فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } أي: أول من عبده ووحده وكذبكم.
وقال البخاري: { فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } الآنفين. وهما لغتان، رجل عابد وعبد (1) .

والأول أقرب على أنه شرط وجزاء، ولكن هو ممتنع.

وقال السدي [في قوله] (2) { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } يقول: لو كان له ولد كنت أول من عبده، بأن له ولدا، لكن لا ولد له. وهو اختيار ابن جرير، وردّ قول من زعم أن “إن” نافية.
ولهذا قال: { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي: تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له، فلا (3) ولد له.

وقوله: { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا } أي: في جهلهم وضلالهم { وَيَلْعَبُوا } في دنياهم { حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } وهو يوم القيامة، أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم، ومآلهم، وحالهم في ذلك اليوم.
ابن كثيرفي تفسيره ..أنتهى..

أضواءالبيان للشنقيطي:

قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)

وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَزْعُومَ فِي قَوْلِهِ : إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ – إِنَّمَا يُعَلَّقُ بِهِ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الرَّحْمَنِ ذَا وَلَدٍ .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُحَالَ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهِ إِلَّا الْمُحَالُ .

فَتَعْلِيقُ عِبَادَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الدِّينِ عَلَى كَوْنِهِ ذَا وَلَدٍ – ظُهُورُ فَسَادِهِ كَمَا تَرَى ، وَإِنَّمَا تَصْدُقُ الشَّرْطِيَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا لَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلًا ، فَادِّعَاءُ أَنَّ (إِنْ) فِي الْآيَةِ شَرْطِيَّةٌ مِثْلُ مَا لَوْ قِيلَ : لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ لَكُنْتُ أَوَّلَ الْعَابِدِينَ لَهُ ، وَهَذَا لَا يَصْدُقُ بِحَالٍ; لَأَنَّ وَاحِدًا مِنْ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْبَدَ ، فَالرَّبْطُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَا يَصِحُّ بِحَالٍ .
وَيَتَّضِحُ لَكَ ذَلِكَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْآيَةَ [23 \ 91] .

فَإِنَّ قَوْلَهُ : (إذًا) أَيْ لَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْآلِهَةِ لَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا خَلَقَ وَاسْتَقَلَّ بِهِ ، وَغَالَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ نِظَامٌ ، وَلَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ ، كَمَا قَالَ – تَعَالَى – : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [21 \ 22] . وَقَوْلِهِ – تَعَالَى – : قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [17 \ 42] عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ .

وَمَعْنَى ابْتِغَائِهِمْ إِلَيْهِ – تَعَالَى – سَبِيلًا – هُوَ طَلَبُهُمْ طَرِيقًا إِلَى مُغَالَبَتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ مَعَ بَعْضِهِمْ .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ إِنْ عُلِّقَ بِهِ مُسْتَحِيلٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ الرَّبْطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَزَاءِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مُسْتَحِيلًا أَيْضًا ; لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُسْتَحِيلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بِهِ إِلَّا الْجَزَاءُ الْمُسْتَحِيلُ .

أَمَّا كَوْنُ الشَّرْطِ مُسْتَحِيلًا وَالْجَزَاءُ هُوَ أَسَاسُ الدِّينِ وَعِمَادُ الْأَمْرِ – فَهَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ بِحَالٍ .

وَمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا شَكَّ فِي غَلَطِهِ .

وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ كُلَّ شَرْطِيَّةٍ صَدَقَتْ مَعَ بُطْلَانِ مُقَدَّمِهَا الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ ، وَصِحَّةِ تَالِيها
لِذَلِكَ الشَّرْطِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا نَظِيرَ لَهُ الْبَتَّةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا تُوجَدُ فِيهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى .

الْأَمْرُ الثَّالِثُ : هُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ لَهُ مَعْنًى فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، إِلَّا مَعْنًى مَحْذُورٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ بِحَالٍ ، وَكِتَابُ اللَّهِ – جَلَّ وَعَلَا – يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ حَمْلِهِ عَلَى مَعَانٍ مَحْذُورَةٍ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهَا .

وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ ، وَقَوْلَهُ : فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ جَزَاءُ الشَّرْطِ – لَا مَعْنَى لِصِدْقِهِ الْبَتَّةَ إِلَّا بِصِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ .
وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ مَدَارَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الشَّرْطِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ – مُنْصَبٌّ عَلَى صِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ مُقَدَّمِهَا الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ ، وَتَالِيهَا الَّذِي هُوَ الْجَزَاءُ ، وَالْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا هُوَ كَوْنُ الشَّرْطِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ تَكُونُ فِي غَايَةِ الصِّدْقِ مَعَ كَذِبِ طَرَفَيْهَا مَعًا ، أَوْ أَحَدِهِمَا لَوْ أُزِيلَتْ أَدَاةُ الرَّبْطِ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ، فَمِثَالُ كَذِبِهِمَا مَعًا مَعَ صِدْقِهَا قَوْلُهُ – تَعَالَى – : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [21 \ 22] فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي غَايَةِ الصِّدْقِ كَمَا تَرَى ، مَعَ أَنَّهَا لَوْ أُزِيلَتْ أَدَاةُ الرَّبْطِ بَيْنَ طَرَفَيْهَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْهَا قَضِيَّةً كَاذِبَةً بِلَا شَكٍّ ، وَنَعْنِي بِأَدَاةِ الرَّبْطِ لَفْظَةَ (لَوْ) مِنَ الطَّرَفِ الْأَوَّلِ ، وَاللَّامَ مِنَ الطَّرَفِ الثَّانِي ، فَإِنَّهُمَا لَوْ أُزِيلَا وَحُذِفَا صَارَ الطَّرَفُ الْأَوَّلُ : كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي مُنْتَهَى الْكَذِبِ ، وَصَارَ الطَّرَفُ الثَّانِي فَسَدَتَا ، أَيِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ كَمَا تَرَى .
فَاتَّضَحَ بِهَذَا أَنَّ مَدَارَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الشَّرْطِيَّاتِ عَلَى صِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ .

فَإِنْ كَانَ الرَّبْطُ صَحِيحًا فَهِيَ صَادِقَةٌ ، وَلَوْ كُذِّبَ طَرَفَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا عِنْدَ إِزَالَةِ الرَّبْطِ .

وَإِنْ كَانَ الرَّبْطُ بَيْنَهُمَا كَاذِبًا كَانَتْ كَاذِبَةً كَمَا لَوْ قُلْتَ : لَوْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا لَكَانَ حَجَرًا ، فَكَذِبُ الرَّبْطِ بَيْنَهُمَا وَكَذِبُ الْقَضِيَّةِ بِسَبَبِهِ كِلَاهُمَا وَاضِحٌ .
وَأَمْثِلَةُ صِدْقِ الشَّرْطِيَّةِ مَعَ كَذِبِ طَرَفَيْهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، كَالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَكَقَوْلِكَ : لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ حَجَرًا لَكَانَ جَمَادًا ، وَلَوْ كَانَ الْفَرَسُ يَاقُوتًا لَكَانَ حَجَرًا ، فَكُلُّ هَذِهِ الْقَضَايَا وَنَحْوُهَا صَادِقَةٌ مَعَ كَذِبِ طَرَفَيْهَا لَوْ أُزِيلَتْ أَدَاةُ الرَّبْطِ .

وَمِثَالُ صِدْقِهَا مَعَ كَذِبِ أَحَدِهِمَا قَوْلُكَ : لَوْ كَانَ زَيْدٌ فِي السَّمَاءِ مَا نَجَا مِنَ الْمَوْتِ ;

إِنْسَانٍ جِسْمٌ ، وَهَذِهِ النَّتِيجَةُ فِي غَايَةِ الصِّدْقِ كَمَا تَرَى .
مَعَ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الصُّغْرَى مِنَ الدَّلِيلِ الَّتِي هِيَ قَوْلُكَ : كُلُّ إِنْسَانٍ حَجَرٌ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ كَمَا تَرَى .

وَإِنَّمَا صَدَقَتِ النَّتِيجَةُ لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ كَمَا أَوْضَحْنَا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ كَاذِبَةً ; لِأَنَّ النَّتِيجَةَ لَازِمُ الدَّلِيلِ ، وَالْحَقُّ لَا يَكُونُ لَازِمًا لِلْبَاطِلِ ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلِخُصُوصِ الْمَادَّةِ كَمَا أَوْضَحْنَا .
وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْطَ الْبَاطِلَ لَا يَلْزَمُ ، وَتَطَّرِدُ صِحَّةُ رَبْطِهِ ، إِلَّا بِجَزَاءٍ بَاطِلٍ مِثْلِهِ .

وَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ – تَعَالَى – : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [10 \ 94] كَقَوْلِهِ – تَعَالَى – : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ – فَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ شَاسِعٌ ، فَظَنُّ اسْتِوَائِهَا فِي الْمَعْنَى بَاطِلٌ .

وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ – تَعَالَى – : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ الْآيَةَ ، مَعْنَاهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ جَارٍ عَلَى الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ ، لَا إِبْهَامَ فِيهِ ; لِأَنَّا أَوْضَحْنَا سَابِقًا أَنَّ مَدَارَ صِدْقِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ شَرْطِهَا وَجَزَائِهَا ، فَهِيَ صَادِقَةٌ وَلَوْ كَذَبَ طَرَفَاهَا عِنْدَ إِزَالَةِ الرَّبْطِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ قَرِيبًا .

فَرَبْطُ قَوْلِهِ : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ بِقَوْلِهِ : فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ – رَبْطٌ صَحِيحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ; لِأَنَّ الشَّاكَّ فِي الْأَمْرِ شَأْنُهُ أَنْ يَسْأَلَ الْعَالِمَ بِهِ عَنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى ، فَهِيَ قَضِيَّةٌ صَادِقَةٌ ، مَعَ أَنَّ شَرْطَهَا وَجَزَاءَهَا كِلَاهُمَا بَاطِلٌ بِانْفِرَادِهِ ، فَهِيَ كَقَوْلِهِ : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [21 \ 22] فَهِيَ شَرْطِيَّةٌ صَادِقَةٌ لِصِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ الطَّرَفَانِ بَاطِلَيْنِ عِنْدَ إِزَالَةِ الرَّبْطِ .

تَنْبِيهٌ:-

اعْلَمْ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ (إِنْ) نَافِيَةٌ – يَلْزَمُهُ إِيهَامُ الْمَحْذُورِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي حَقِّ اللَّهِ .
قَالُوا : لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَعْنَى : مَا كَانَ لِلَّهِ وَلَدٌ ; فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ إِلَّا فِي الْمَاضِي ، فَلِلْكُفَّارِ أَنْ يَقُولُوا : إِذًا صَدَقْتَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَاضِي وَلَدٌ . وَلَكِنَّ الْوَلَدَ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا صَاهَرَ الْجِنَّ ، وَوَلَدَتْ لَهُ بَنَاتَهُ الَّتِي هِيَ الْمَلَائِكَةُ .
وَإِنَّ هَذَا الْمَحْذُورَ يَمْنَعُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْيِ لَا شَكَّ فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ ; لِدَلَالَةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِيهَامَ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ لَمَا كَانَ اللَّهُ يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةِ (كَانَ) الدَّالَّةِ عَلَى خُصُوصِ الزَّمَنِ الْمَاضِي فِي نَحْوِ قَوْلِهِ – تَعَالَى – : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [4 \ 158] . وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4 \ 17] . وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4 \ 96] . وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33 \ 27] . إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [4 \ 34] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يَصْعُبُ حَصْرُهَا .

فَإِنَّ مَعْنَى كُلِّ تِلْكَ الْآيَاتِ أَنَّهُ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ .

فَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ ذَلِكَ الَّذِي زَعَمُوهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُمْ : صَدَقْتَ ، مَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ فِي الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهُ طَرَأَ لَهُ – لَقَالُوا مِثْلَهُ فِي الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا .
كَأَنْ يَقُولُوا : كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [4 \ 11] فِي الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ عَدَمُ ذَلِكَ . وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا .

وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَحْذُورَ الَّذِي زَعَمُوهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِطْلَاقِ نَفْيِ الْكَوْنِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ – تَعَالَى – : وَمَا كَانَ رَبُكَ نَسِيًّا [19 \ 64] . وَقَوْلِهِ : وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [18 \ 51] . وَقَوْلِهِ : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [28 \ 59] . وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ .
وَمِنْ أَوْضَحِهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ قَوْلُهُ – تَعَالَى – : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ الْآيَةَ [23 \ 91] .

وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ نَفْيِ الْقُرْآنِ لِلْوَلَدِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ – تَعَالَى – : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [23 \ 91] فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يَقُولُوا يَوْمًا مَا : صَدَقْتَ ، مَا اتَّخَذَهُ فِي الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ اتِّخَاذُهُ .

وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا [17 \ 111] . وَقَوْلِهِ : لَمْ يَلِدْ [112 \ 3] ; لِأَنَّ (لَمْ) تَنْقُلِ الْمُضَارِعَ إِلَى مَعْنَى الْمَاضِي .

وَالْكُفَّارُ لَمْ يَقُولُوا يَوْمًا : صَدَقْتَ ، لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا فِي الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ اتِّخَاذُهُ ، وَلَمْ يَقُولُوا : لَمْ يَلِدْ فِي الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهُ وَلَدَ أَخِيرًا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْوَلَدِ لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْحَالِ ، وَلَا فِي الِاسْتِقْبَالِ .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوِلَادَةَ الْمَزْعُومَةَ حَدَثٌ مُتَجددٌ .

وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا زَعَمُوهُ مِنْ إِيهَامِ الْمَحْذُورِ فِي كَوْنِ (إِنْ) فِي الْآيَةِ نَافِيَةً – لَا أَسَاسَ لَهُ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ كَوْنِهَا شَرْطِيَّةً لَيْسَ لَهَا مَعْنًى فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، إِلَّا الْمَعْنَى الْمَحْذُورُ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي حَقِّ اللَّهِ بِحَالٍ .

وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّذِي يَقْتَضِي إِمْكَانَ صِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ طَرَفَيْهَا عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ لَا شَكَّ فِي غَلَطِهِ فِيهِ .

وَأَمَّا إِبْطَالُهُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَعْنَى : إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لَهُ وَالْمُكَذِّبِينَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ ، فَهُوَ إِبْطَالٌ صَحِيحٌ ، وَكَلَامُهُ فِيهِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالدِّقَّةِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي إِبْطَالَهُ بِنَفْسِهِ ، لِجَمِيعِ مَا كَانَ يُقَرِّرُهُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَوْنَ مَعْنَى (إِنْ) فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ النَّفْيُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَلَا مَحْذُورَ وَلَا إِيهَامَ ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ تَشْهَدُ لَهُ لِكَثْرَةِ الْآيَاتِ الْمُطَابِقَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ .

وَأَمَّا كَوْنُ مَعْنَى الْآيَةِ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ فَلَا يَصِحُّ لَهُ مَعْنًى غَيْرُ مَحْذُورٍ فِي اللُّغَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَظِيرٌ ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى فِي التَّعْلِيقِ بِإِنْ وَالتَّعْلِيقِ بِلَوْ .

لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِـ (لَوْ) يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الشَّرْطِ ، وَعَدَمُ الشَّرْطِ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ (إِنْ) .

أَمَّا قَوْلُهُ – تَعَالَى – : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ – لَا تُمْكِنُ صِحَّةُ الرَّبْطِ بَيْنَ شَرْطِهَا وَجَزَائِهَا الْبَتَّةَ ; لِأَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الْمَعْبُودِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا لَا يَصِحُّ بِحَالٍ .

وَلِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ : «لَا أَشُكُّ ، وَلَا أَسْأَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ» فَنَفَى الطَّرَفَيْنِ ..والحديث ليس مرفوعاً
وبدليل قول الله في نفس السورة {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس 104
{{ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الزمر4
{ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ{17} بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ{18} وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ{19}
{ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً{42} سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً{43} تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لا َّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً{44} الاسراء
{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً{111} الاسراء
{ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً{4} مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً{5} الكهف
{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ{91} المؤمنون
{ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ{149} أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ{150} أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ{151} وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{152} أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ{153} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ{154} أَفَلَا تَذَكَّرُونَ{155} أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ{156} فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{157} وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ{158} سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ{159} الصافات
والايات في هذا المعنى كثيرة من اعظمها سورة الاخلاص
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4}
ولذلك ؟أخطأ من ظن أن آية (إن كان للرحمن ولد فانا أنا العابدين)أنَّ :إن:شرطية وقد أجادوأفاد صاحب أضواءالبيان الشنقيطي رحمه الله .والصحيح أنها ما النافية ،وإن كان من ذهب الى أنها شرطية هم أهل فضل وأنهم منزهون للحق عزوجل وينفواعن الله الولديةوالبنوة وكل نقص رحمهم الله تعالى
ومثل ذلك {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }الأنبياء22
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)

وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَزْعُومَ فِي قَوْلِهِ : إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ – إِنَّمَا يُعَلَّقُ بِهِ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الرَّحْمَنِ ذَا وَلَدٍ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُحَالَ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهِ إِلَّا الْمُحَالُ .

فَتَعْلِيقُ عِبَادَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الدِّينِ عَلَى كَوْنِهِ ذَا وَلَدٍ – ظُهُورُ فَسَادِهِ كَمَا تَرَى ، وَإِنَّمَا تَصْدُقُ الشَّرْطِيَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا لَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلًا ، فَادِّعَاءُ أَنَّ (إِنْ) فِي الْآيَةِ شَرْطِيَّةٌ مِثْلُ مَا لَوْ قِيلَ : لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ لَكُنْتُ أَوَّلَ الْعَابِدِينَ لَهُ ، وَهَذَا لَا يَصْدُقُ بِحَالٍ; لَأَنَّ وَاحِدًا مِنْ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْبَدَ ، فَالرَّبْطُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَا يَصِحُّ بِحَالٍ .
وَيَتَّضِحُ لَكَ ذَلِكَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْآيَةَ [23 \ 91] .

فَإِنَّ قَوْلَهُ : (إذًا) أَيْ لَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْآلِهَةِ لَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا خَلَقَ وَاسْتَقَلَّ بِهِ ، وَغَالَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ نِظَامٌ ، وَلَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ ، كَمَا قَالَ – تَعَالَى – : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [21 \ 22] . وَقَوْلِهِ – تَعَالَى – : قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [17 \ 42] عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ .
وَمَعْنَى ابْتِغَائِهِمْ إِلَيْهِ – تَعَالَى – سَبِيلًا – هُوَ طَلَبُهُمْ طَرِيقًا إِلَى مُغَالَبَتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ مَعَ بَعْضِهِمْ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ إِنْ عُلِّقَ بِهِ مُسْتَحِيلٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ الرَّبْطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَزَاءِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مُسْتَحِيلًا أَيْضًا ; لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُسْتَحِيلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بِهِ إِلَّا الْجَزَاءُ الْمُسْتَحِيلُ .
أَمَّا كَوْنُ الشَّرْطِ مُسْتَحِيلًا وَالْجَزَاءُ هُوَ أَسَاسُ الدِّينِ وَعِمَادُ الْأَمْرِ – فَهَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ بِحَالٍ .
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا شَكَّ فِي غَلَطِهِ .
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ كُلَّ شَرْطِيَّةٍ صَدَقَتْ مَعَ بُطْلَانِ مُقَدَّمِهَا الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ ، وَصِحَّةِ تَالِيهَا
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)

و { إلا } صفة لآلهة أي آلهة غير { الله } وكون { إلا } يوصف بها معهود في لسان العرب ومن ذلك ما أنشد سيبويه رحمه الله :

وكل أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلا الفرقدان

قال الزمخشري : فإن قلت : ما منعك من الرفع على البدل؟ قلت : لأن لو بمنزلة إن في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب ، كقوله { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه ، والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما { لفسدتا } وفيه دلالة على أمرين أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبرهما إلاّ واحداً ، والثاني أن لا يكون ذلك الواحد إلاّ إياه وحده كقوله { إلا الله } .

وقيل : يمتنع البدل لأن ما قبله إيجاب ولا يجوز النصب على الاسثناء لوجهين ، أحدهما أنه فاسد في المعنى وذلك أنك إذا قلت : لو جاءني القوم إلاّ زيداً لقتلتهم كان معناه أن القتل امتنع لكون زيد مع القوم ، فلو نصب في الآية لكان المعنى فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله مع الآلهة ، وفي ذلك إثبات الآلهة مع الله ، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك لأن المعنى { لو كان فيهما } غير { الله لفسدتا } .

والوجه الثاني أن { آلهة } هنا نكرة ، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه عند جماعة من المحققين لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء انتهى .

وأجاز أبو العباس المبرد في { إلاّ الله } أن يكون بدلاً لأن ما بعد لو غير موجب في المعنى ، والبدل في غير الواجب أحسن من الوصف . وقد أمعنّا الكلام على هذه المسألة في شرح التسهيل .

وقال الأستاذ أبو عليّ الشلوبين في مسألة سيبويه : لو كان معنا رجل إلاّ زيد لغلبنا أن المعنى لو كان معنا رجل مكان زيد لغلبنا فإلاّ بمعنى غير التي بمعنى مكان .

وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الصائغ : لا يصح المعنى عندي إلاّ أن تكون { إلاّ } في معنى غير الذي يراد بها البدل أي { لو كان فيهما آلهة } عوض واحد أي بدل الواحد الذي هو { الله لفسدتا } وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة التي جاء بها توطئة انتهى .

ولما أقام البرهان على وحدانيته وانفراده بالألوهية نزه نفسه عما وصفه به أهل الجهل بقوله { فسبحان الله } ثم وصف نفسه بأنه مالك هذا المخلوق العظيم الذي جميع العالم هو متضمنهم ثم وصف نفسه بكمال القدرة ونهاية الحكم فقال { لا يسأل عما يفعل } إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء ، وفعله على أقصى درجات الحكمة فلا اعتراض ولا تعقب عليه ، ولما كانت عادة الملوك أنهم لا يسألون عما يصدر من أفعالهم مع إمكان الخطأ فيها ، كان ملك الملوك أحق بأن لا يسأل هذا مع علمنا أنه لا يصدر عنه إلاّ ما اقتضته الحكمة العارية عن الخلل والتعقب ، وجاء { عما يفعل } إذ الفعل جامع لصفات الأفعال مندرج تحته كل ما يصدر عنه من خلق ورزق ونفع وضر وغير ذلك ، والظاهر في قوله { لا يسأل } العموم في الأزمان .

وقال الزجّاج : أي في القيامة { لا يُسْأَل } عن حكمه في عباده { وهم يُسْأَلُون } عن أعمالهم . وقال ابن بحر : لا يحاسب وهم يحاسبون . وقيل : لا يؤاخذ وهم يؤاخذون انتهى . { وهم يسألون } لأنهم مملوكون مستعبدون واقع منهم الخطأ كثيراً فهم جديرون أن يقال لهم لم فعلتم كذا .

رحم الله تعالى(ابو حيان في بحره المحيط)وجميع أهل العلم .. وصلى الله وسلم على النبي محمد وآله وصحبه والتابع لهم بإحسان..

كتبه مساعد بن بشير بن علي
رمضان 1428

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*